محمد هادي معرفة
551
التمهيد في علوم القرآن
يحقّ على المجيب أن يجيب بذكر ماهيّة هذه الأمور ، ليكون جوابه مطابقا لسؤال السائل ، وقد يسأل بها عن اللفظ ، فيقال : ما العقار ؟ وما الزّرجون ؟ فيقال : الخمر ، قال السكاكي : وقد يسأل بها عن الصفة ، فيقال : ما زيد ؟ وجوابه : الطويل ، أو القصير . وأمّا ( من ) فهي دالّة على التصوّر أيضا كقولك : من جبريل ؟ أي من أيّ الحقائق هو ؟ أبشر هو ؟ أم جنّيّ ؟ أم ملك ؟ وتقع سؤالا عن الشخص من اولي العلم كقولك : من في الدار ؟ فتقول : زيد ، قال اللّه تعالى في السؤال ب ( ما ) في قصّة البقرة : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها « 1 » يعني من أيّ حقيقة الألوان لونها ؟ فأجاب : بأنها صفراء ، كما قال : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 2 » وقال في سؤال فرعون : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ « 3 » فأجابه اللّه تعالى بذكر الصفة وحقيقتها . فهذا كلّه دالّ على أنها موضوعة للتصوّر فيما كانت سؤالا عنه ، سواء كان ذاتا أو صفة ، وقال اللّه تعالى في السؤال ب ( من ) : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً « 4 » وقال : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ « 5 » فهذا سؤال عن حقيقة الشيء وتصوّر ماهيّته . وأمّا ( أيّ ) فإنه سؤال عن تصوّر حقيقة البعضية كما قال تعالى : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً « 6 » والمعنى أنحن ، أم أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وقال اللّه تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى « 7 » يعني من هذه الذات المتصوّرة ، أو هذه الصفات المتصوّرة .
--> ( 1 ) البقرة : 69 . ( 2 ) البقرة : 68 . ( 3 ) الشعراء : 23 . ( 4 ) النمل : 61 . ( 5 ) النمل : 62 . ( 6 ) مريم : 73 . ( 7 ) الإسراء : 110 .